مقالات

مقالة “الطب… التخصص الطارد” بقلم: د. حمد إسماعيل الأنصاري

 

يقاس مدى تطور أي دولة وفق عوامل عدة، كالنظام السياسي والاقتصادي، وكفاءة التعليم. وأحد أهم تلك العوامل هو مدى تطور النظام الصحي وكفاءته… وفي الكويت يعاني القطاع الصحي مثله مثل بقية القطاعات من الفساد والتنفيع والمحسوبية، فلا يخفى على أحد ما تعانيه مستشفياتنا الحكومية، سواء من قلة الأسرّة أو نقص الطواقم التمريضية والطبية، وغيرها من المشاكل.

وحتى لا نتفرع في طرح مشاكل الصحة، التي لن يكفيها مقال واحد، بل ربما لا تكفيها المجلدات، سأركز في هذا المقال على «الطبيب»، وهو حجر الزاوية في أي نظام صحي في العالم.

تبدأ حياة الطبيب الصعبة منذ الصغر، فهو مطالب بالتفوق في المراحل الدراسية لكي يتمكن بعد ذلك من دخول كلية الطب، فتبدأ بعدها سبع سنوات من الدراسة المضنية والعزلة الاجتماعية، هذا ما لم يكن مغترباً للدراسة في الخارج، أما بعد التخرج فهو مطالب بالاستمرار بالتعلم ودخول أحد التخصصات الطبية أو ما نسميه «البورد»، فتبدأ معاناة الطبيب الشاب في الحصول على مقعد في التخصص الذي يرغب به، فالتفوق العلمي والعملي ليسا دائماً الأساس في اختيار المقبولين لدراسة التخصص، أما إن كان محظوظاً وحصل على التخصص الذي يريده فهو يقضي خمس سنوات وربما أكثر في الدراسة والعمل لكي يحصل على شهادة «البورد»، وليست هذه النهاية فهناك امتحانات الزمالة وغيرها.

أما بالنسبة لحياة الطبيب العملية في المستشفيات، فهي ما لا يمكن للإنسان الطبيعي تحمله… فالطبيب يعمل على علاج المرضى ومتابعتهم من الصباح وحتى نهاية الدوام، ولا تنتهي مهمته، فهو يترقب الاتصال من الطاقم التمريضي في أي لحظة لمتابعة المرضى وغيره، بينما تأتيه الخفارة أو النوبة كل رابع أو خامس يوم عمل ليبقى في المستشفى لمدة 24 ساعة متواصلة، لا يعود بعدها للراحة إنما يكمل يوم العمل حتى نهايته، ناهيك عن مروره على المرضي أيام العطل الرسمية ونهاية الأسبوع التي يقوم بها الأطباء من دون مردود مادي.

تلك باختصار شديد حياة الطبيب، الذي يجب عليه أن يتعامل مع جميع الشخصيات والعقليات بكل احترام ومودة، وعليه أيضا أن يتعامل مع اللوم الدائم من أسرته وأقربائه لتقصيره دائماً بالجانب الاجتماعي.

نعم، نعلم بأن الطب مهنة إنسانية، وأن الطبيب قد كرس حياته لعلاج المرضى ورعايتهم، ولكن الطبيب في نهاية الأمر إنسان له احتياجاته المادية والنفسية.

كما يعاني القطاع الصحي في الكويت من نقص الأطباء، فحسب إحصائية نشرها الأخ العزيز هادي درويش في فبراير الماضي، فإن عدد الأطباء الكويتيين في الكويت ثلاثة آلاف، بينما هناك خمسة آلاف طبيب وافد، بمجموع قدره ثمانية آلاف طبيب لخدمة أربعة ملايين وأربعمئة ألف نسمة!

وحتى لا تصبح مهنة الطب طاردة أكثر مما هي عليه، ومن أجل قطاع صحي أفضل؛ يجب إعادة النظر في طبيعة هذه المهنة ووضع الحوافز المادية والمعنوية لجعلها مهنة جاذبة في نظر الشباب، فنحن بحاجة للكوادر الوطنية لبناء وطننا… ومطالب الأطباء ليست تعجيزية أو مبالغ بها، فكل ما يطالبون به هو إنصافهم مادياً بعدم اقتطاع مرتباتهم عند الاجازة الدورية، وتعويضهم عن الساعات الطويلة التي يعملون بها خارج أوقات العمل الرسمية، غير تعرضهم لكل أنواع الملوثات والميكروبات والأمراض يومياً، كما يهمهم أن يطوروا من أنفسهم من خلال الدورات التدريبية، وضمان مقاعد للأطباء الشباب في التخصصات المختلفة «البورد»، والرقابة على نظام القبول في تلك التخصصات حتى لا يظلم الأطباء في بداية حياتهم العملية بسبب محاباة البعض!

وكذلك يجب أن يتم إقرار قانون حماية الطبيب من الاعتداءات المتكررة، التي كانت السبب الرئيسي لكتابة هذا المقال؛ فقد أصبح من المعتاد مشاهدة أخبار الاعتداء على الأطباء أثناء ممارسة عملهم وآخرها قبل أسبوع، وهذا أمر غير مقبول أبداً!

في الختام، هناك العديد من المشاكل في القطاع الصحي، وحلها لن يكون سريعاً أو سهلاً… أما مهنة الطب، فهي من أهم المهن وأرقاها، فالطبيب رغم ما يعانيه إلا أنه لا يملك سوى المطالبة والتذمر، فالإضراب رغم كونه حقاً نقابياً إلا أنه أمر غير قابل للنقاش عند الأطباء، فحياة الناس أهم. لذلك يجب أن يتم الاهتمام بالأطباء وجذب المزيد من الكوادر الوطنية للعمل في هذه المهنة، فاليوم هجرة الأطباء الكويتيين تدق ناقوس الخطر من دون أي تحرك ملموس من الحكومة ومجلسها… فالطب أصبح تخصصاً طارداً.

 

بقلم: د. حمد إسماعيل الأنصاري

١١يوليو ٢٠١٧

المصدر:حريدة الرأي الكويتية

http://m.alraimedia.com/ar/article/makalat/2017/07/11/777426/nr/kuwait